صوفي لايف

مفهوم الوعي: محور الإيديولوجيا والوهم

المحور الثالث: الإيديولوجيا والوهم
ظهر لفظ الإيديولوجيا لأول مرة بفرنسا بوصفها علما للأفكار،  ويرجع الفضل في نحث المصطلح إلى دستوت دي تراسي إذ ارتبط به إبان الثورة الفرنسية لسنة 1789،  حيث أعطى لهذا المفهوم مدلولين اثنين وهما:
مدلول فلسفي: اعتبر فيه الإيديولوجيا علما أو شبه علم يقوم على الملاحظة والتجربة كنقيض لتفسير اللاهوت للعالم الذي يعتبره دو تراسي تفسيرا أوليا وطفوليا بينما الإيديولوجيا كما يتصورها تمثل التفكير الراشد والناضج لارتكازها على الملاحظة والتجربة.
مدلول إبستمولوجي: باعتبارها « العلم الذي يدرس الأفكار بالمعنى الواسع لكلمة أفكار،  أي مجموع وقائع الوعي من حيث صفاتها أو قوانينها وعلاقاتها بالعلامات التي تمثلها لاسيما أصلها»،  هكذا يبدو أن دو تراسي حاول أن يعطي للإيديولوجيا بعدا علميا باعتبارها نسقا من الأفكار والتصورات البعيدة عن التمثلات اللاهوتية والميتافيزيقية للعالم،  فأصبحت الإيديولوجيا بهذا المعنى ضد الأفكار والأطروحات المحافظة،  خاصة وأنها ارتبطت بالثورة الفرنسية وما أحدثته من تغير في بناء المجتمع الفرنسي،  وانعكاسات هذه الثورة على صعيد الأمم الأوروبية.
تأسيسا على الدلالات السابقة،  وضدا على مفاهيمها نحث نابليون مدلولا جديدا للإيديولوجيا حيث اعتبرها أفكار المشاغبين الذين كانوا ضد حكمه ومن ثمة أخذت معنى انتقاصيا لدلالتها مع دو تراسي إذ أصبح نابليون ينعت خصومه بالإيديولوجيين وذلك في إطار الصراع السياسي مع معارضيه. وفي هذا الصراع والسجال ظهر ما سمي "سجال المصطلحات" أو "الإيديوفوبيا" أي الخوف الشديد من الأفكار،  فالأفكار تعبر عن المصالح والمطامح أما لالاند فيعرف الإيديولوجيا بأنها «العلم الذي يتخذ موضعا له دراسة الأفكار،  أي العلم الذي يبحث في صفات الأفكار وقوانينها وخاصة أصولها».
1)        تحديدات بول ريكور لمفهوم الإيديولوجيا
يرى بول ريكور أن الإيديولوجيا ترتبط بثلاث استعمالات. يهم الاستعمال الأول معنى الاختلال والتشويه للواقع،  وهو المعنى الذي يشيع بين عامة الناس والذي كان مصدره الماركسية حيث تسند للإيديولوجيا معنى يجعل من الممارسة أساسا لها وأن الإيديولوجيا مصدر التشويه. أما الاستعمال الثاني فربطه بول ريكور بالشكل الذي تظهر فيه الإيديولوجيا كظاهرة تشويهية وتزييفية بل يجعلها بول ريكور في هذه الحالة تبريرية أي أنها تحاول أن تتكلم بلسان الحاكم المسيطر وتشيد الشمولية وحين يبرز العنف داخلها تتحول الايديولوجيا إلى أداة قهر أكثر من المظاهر العنيفة التي تخلفها طاحونة الصراع الطبقي. أما الاستعمال الثالث فيربطه بول ريكور بما أسماه بالإدماج أي أن الجماعة تعمل على استدعاء ذكرياتها الأساسية باعتبارها أحداث أولية مؤسسة للهوية المحددة لهذه الجماعة،  فهذا الاستعمال يساهم في تكوين عنصر جديد داخل بنية الذاكرة الجماعية.
إن بول ريكور يهدف من وراء تقسيماته هذه للإيديولوجية إلى تأكيد نقطة محورية لا تنفصل عن عملية الإيديولوجيا نفسها وهي حضور الوهم لتبرير وصفي لاسترداد الذكريات لتحقيق الإدماج.
2)       الإيديولوجيا عند الماركسيين
إن الإنسان عند الماركسيين كائن اجتماعي في جوهره،  وبدون المجتمع لا يستطيع الإنسان العيش،  إذ لا يمكنه أن ينتج الشروط الضرورية للحياة اللازمة لبقائه إلا في إطار المجتمع، ولكن أدوات ذلك الإنتاج تعود لكي تحدد أول ما تحدد العلاقات الإنسانية. ويرى ماركس استحالة فصل وعي الناس عن وجودهم الاجتماعي ويعطي للحياة الاجتماعية أهمية أساسية تحديد الوعي بل يجعلها هي التي تحدد الوعي.
إن الايديولوجيا،  في نظر ماركس ورفيقه انجلز، «ليست سوى التعبير الفكري عن العلاقات السائدة في المجتمع تلك العلاقات التي تجعل من طبقة ما الطبقة السائدة على الطبقات الأخرى». بهذا المعنى فالايديولوجيا مجموع الأفكار الذي تسود المجتمع الطبقي والذي ترسم بفعل الشروط المادية والروحية القائمة على صورة ناقصة ومشوهة للعلاقات السائدة فيه. يقول انجلز: «الإيديولوجيا هي نشاط فكري ذلك الذي يدعى مفكر واعي في حين أنه إنما يصدر عن وعي زائف مغلوط ذلك لأن القوى الحقيقية المحركة له تبقى مجهولة لديه،  وإلا لما كان نشاطه الفكري ذاك إيديولوجيا». إذن هي البناء الفكري النظري القائم على وعي مزيف لكونه يجهل مكوناته الموضوعية.
وقد وسع كل من ماركس وأنجلز فيما بعد مفهوم الإيديولوجيا فجعلاه البنية الفوقية برمتها لعصر من العصور التاريخية أي مجموع النتاج الفكري،  من أدب وفن وفلسفة ودين وأخلاق وتشريع بحيث يسود مجتمعا من المجتمعات في عصر من العصور التاريخية.
أما لينين فيميز بين الإيديولوجيا البرجوازية والبرجوازية الاشتراكية،  الأولى هي النسق الفكري الذي تقيمه البرجوازية لتخدع به نفسها وتخدع غيرها من الطبقات المضطهدة،  والثانية هي المذهب الذي يقود كفاح الطبقة العاملة وتنير لها الطريق والذي يأتي من الممارسة النظرية،  للمثقفين الثوريين الذين ربطوا مصيرهم بنضال وكفاح الطبقة العاملة.
بينما يميز مانهايم بين الإيديولوجيا الجزئية أو الخاصة،  والإيديولوجيا الكلية أو العامة فالأولى تعني مجموع الأفكار التي يعتنقها الشخص والتي يرى من خلالها حضوره مجرد غطاء شعوري لتحقيق الموقف الذي يصدر عنه،  والذي لا يعبر بصراحة لأنها تعارض مصالحه،  فهي بهذا المعنى تبريرية تعمل على صرف النظر عن فحواها. أما الثانية فهي مجموع التصورات التي تعتنقها جماعة ما تبريرا لموقفها داخل المجتمع.
3)        تصور نيتشه للأيديولوجيا
يبرز نيتشه الطابع الأكثر سطحية وسوءا للوعي،  بمعنى أن الوعي لدى الإنسان رغم تطوره في المستويات فإنه لا يدرك معنى وعيه لأفعاله وأفكاره ومشاعره،  بل حتى حركاته فهو دائما يفعل نتيجة لإرادة قاهرة جاءت في صفة أمر (يجب عليك)،  وهو هنا يؤكد مقولة العدمية التي تسيطر على الإنسان،  فهو لا يعرف معنى الفكر الذي أصبح وعيا فالوعي عند نيتشه لا يعدو أن يكون أكثر من أجزاء الفكر السطحية وأكثرها سوءا.

إن بالإمكان،  حسب نيتشه،  أن يعيش الإنسان حياته في استقلال عن الوعي تماما. لما كانت الحياة البشرية معرضة للهلاك بوصفها حياة يؤطرها الصراع من أجل البقاء اضطر الإنسان أن يعبر عن نفسه في كلمات،  ومن ثمة يكون نمو اللغة ونمو الوعي متلازمين. هكذا اختلق الإنسان لنفسه أوهاما أصبحت تؤطر حياته وأضفى عليها صبغة حقائق تقنن واقعه (كالواجب والمسؤولية،  والحرية …إلخ). فالحقائق في العمق ليست إلا أوهاما منسية.
تعليقات حول الموضوع

مواقعنا الإجتماعية

تابعنا على الفيسبوك

اكثر المواضيع تصفحا هذا الاسبوع

اكثر المواضيع تصفحا هذا الشهر

جميع الحقوق محفوظة لمدونة صوفي لايف © 2018